النويري

373

نهاية الأرب في فنون الأدب

يا خفيف « 1 » - أفيك خير ؟ فقلت : لا يا مولاي ، قال : ولا حتى تمسك فرسى وأنزل أنا إلى الأسد ، فقلت : بلى ، فنزل وأعطاني فرسه وشدّ أطراف ثيابه في منطقته ، واستلّ السيف ورمى بالقراب إلىّ ، فأقبل يمشى إلى الأسد ، فحين قرب منه وثب الأسد عليه فتلقّاه المعتضد فضربه ، فإذا يده طارت فتشاغل الأسد بالضربة ، فغشيه « 2 » بأخرى ففلق هامته فخرّ صريعا ، فدنا منه - وقد تلف - فمسح السيف في صوفه ، فرجع إلىّ فأغمد السيف وركب ، ثم عدنا إلى العسكر « 3 » ، فإلى أن مات ما سمعته تحدّث بحديث الأسد ، ولا علمت أنّه لفظ منه « 4 » بلفظة ، فلم أدر من أي شئ أعجب : من شجاعته وشدته أو من قلة احتفاله بما صنع حتى كتمه أو من عفوه عنّى ، فما عاتبني على ضنّى بنفسي . وكان رحمه اللَّه حسن الفراسة صادقا ، فمن ذلك ما حكاه خفيف السمرقندي قال « 5 » : كنت واقفا بحضرة المعتضد إذ دخل بدر وهو يبكى ، وقد ارتفع الصراخ من دار عبيد اللَّه بن سليمان الوزير عند موته ، فأعلم المعتضد باللَّه الخبر ، فقال : أو قد صحّ الخبر ؟ أو هي غشية ؟ قال : بل توفى وشدّ لحينه ، فرأيت المعتضد باللَّه وقد سجد فأطال السجود ، فلما رفع رأسه قال له بدر : واللَّه يا أمير المؤمنين لقد كان صحيح الموالاة مجتهدا في خدمتك عفيفا عن الأموال ، قال : يا بدر - أظننت أنى سجدت سرورا بموته ؟ إنما سجدت شكرا للَّه عزّ وجل إذ وفّقنى فلم أصرفه ولم أوحشه ، ورفّهت على ورثته ما خلفه لهم من كسبه معي ما يجاوز قيمته ألفي ألف دينار ، وقد كنت

--> « 1 » نشر في البداية والنهاية لأبى الفدا ج 11 ص 88 : جعيف ، هذا وطبعة المنتظم ج 5 ص 129 ( حيدر أباد سنة 1357 ه ) تؤيد المخطوطات بأنه خفيف « 2 » في المنتظم ج 5 القسم الثاني ورقة 266 : فثنّاه « 3 » في المصدر السابق بعدها : وصحبته إلى « 4 » في المخطوطات : فيه « 5 » المنتظم ج 5 القسم الثاني ورقة 269